Latest news

ملاحظات على اقتراح قانون الإعلام

08/08/2026 | 10 minutes

في ظل اقتراب موعد مناقشة اقتراح قانون الإعلام في الهيئة العامة لمجلس النواب، يتجدد النقاش حول مدى انسجام الاقتراح مع الضمانات الدستورية لحرية الرأي والتعبير، ومع التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الإنسان.
ولا شك أن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر يمثل خطوة إيجابية تنسجم مع التوجهات الحديثة في حماية حرية التعبير. إلا أن حصر النقاش بالمادة 104 وحدها لا يعكس مجمل الإشكاليات التي يثيرها الاقتراح، إذ إن مقاربته التشريعية تطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بمفهوم حرية التعبير، ونطاق الحماية القانونية الممنوحة للعاملين في المجال الإعلامي، وحدود صلاحيات الهيئة الوطنية للإعلام، ومدى وضوح القيود التي يجيزها الاقتراح على ممارسة هذا الحق.
فقد اعتمد الاقتراح تعريفاً للصحافي يرتبط، في جانب منه، بمصدر دخله الأساسي. وهذا التوجه لا ينسجم مع التحولات التي شهدها العمل الإعلامي، ولا سيما في ظل التطور الرقمي، حيث باتت الصحافة الاستقصائية، والصحافة المستقلة، والإعلام الرقمي تؤدي دوراً أساسياً في كشف المعلومات وخدمة المصلحة العامة، من خارج الأطر التقليدية للمؤسسات الإعلامية.
إن الصفة الصحافية لا ينبغي أن تُقاس بمصدر الدخل، بل بطبيعة النشاط الصحافي والإعلامي الذي يمارسه الشخص، وبالدور الذي يؤديه في جمع المعلومات والتحقق منها ونشرها خدمةً للمصلحة العامة. وقد أكدت المعايير الدولية أن الحماية القانونية يجب أن ترتبط بالوظيفة الإعلامية، لا بالوضع المهني أو الاقتصادي لمن يمارسها، لأن ربط الحماية بمصدر الدخل يؤدي إلى استبعاد فئات واسعة من الصحافيين المستقلين والعاملين في المنصات الرقمية، رغم قيامهم بالدور ذاته الذي تؤديه وسائل الإعلام التقليدية.
كما تثير الصلاحيات الممنوحة للهيئة الوطنية للإعلام تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية الضمانات المقررة لاستقلاليتها. فاستقلال الهيئات الناظمة لا يتحقق بمجرد النص عليه، وإنما يفترض أن ينعكس في طريقة تشكيلها، وآليات تعيين أعضائها، وحدود اختصاصها، وضمان خضوع قراراتها لرقابة قضائية فعالة. وكلما اتسعت صلاحيات الهيئة في تنظيم القطاع الإعلامي، ازدادت الحاجة إلى ضمانات قانونية تحول دون تحول سلطة التنظيم إلى وسيلة للتأثير في استقلال الإعلام أو الحد من حرية ممارسته.
ويستخدم الاقتراح كذلك مفاهيم عامة، مثل "المصلحة العامة" و"الأمن الوطني" و"النظام العام"، من دون وضع تعريفات دقيقة أو ضوابط واضحة تحدد نطاق تطبيقها. ولا تكمن الإشكالية في وجود هذه المفاهيم بحد ذاتها، وإنما في ضرورة أن تكون القيود المبنية عليها محددة بدقة، وقابلة للتوقع، وضرورية، ومتناسبة، بما ينسجم مع مبدأ الشرعية والالتزامات الدولية للبنان في مجال حرية التعبير.
ويثير الاقتراح كذلك تساؤلاً أساسياً حول فلسفته العامة، إذ يبدو أنه ينظم الأشخاص الذين يتمتعون بالضمانات القانونية أكثر مما يحمي النشاط الإعلامي نفسه. فحرية التعبير، وفق المادة 13 من الدستور اللبناني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هي حق أساسي لكل إنسان، وليست امتيازاً يقتصر على فئة مهنية محددة.
ومن هنا، ينبغي أن ينصب التنظيم التشريعي على حماية النشاط الإعلامي وضمان استقلاليته، لا على تضييق دائرة الأشخاص الذين يتمتعون بالحماية القانونية من خلال تعريفات مهنية ضيقة أو شروط تتعلق بمصدر الدخل أو الصفة الوظيفية. فالتطور الرقمي أعاد تعريف العمل الصحافي، وأصبح إنتاج المحتوى ذي المصلحة العامة لا يقتصر على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل يشمل الصحافيين المستقلين، والعاملين في المنصات الرقمية، والباحثين، وغيرهم ممن يؤدون وظيفة إعلامية حقيقية.
إن الحاجة إلى تحديث التشريع الإعلامي في لبنان موضع اتفاق، إلا أن نجاح أي إصلاح لا يقاس بسرعة إقراره أو بعدد السنوات التي استغرقها إعداده، بل بقدرته على تكريس الضمانات الدستورية لحرية الرأي والتعبير، واحترام التزامات لبنان الدولية، وتعزيز إعلام حر ومستقل وتعددي.ومن هنا، فإن أي اقتراح قانون للإعلام ينبغي أن يكون مناسبة لتوسيع مساحة الحرية وتعزيزها، لا لإعادة رسم حدودها من خلال تعريفات ضيقة، أو صلاحيات تنظيمية واسعة، أو نصوص تحتمل تفسيرات متباينة. فالتشريع الذي ينظم الإعلام يجب أن يرسخ حماية الحق في حرية التعبير، لا أن يضيق نطاق المستفيدين منه أو يوسع من إمكانات التدخل في ممارسته.