في الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تدار بالنار أو القدرة التدميرية فقط، بل أيضًا باللغة، وبالصور، وبالتأطير الذهني الذي يحدّد للناس كيف يفهمون الوقائع، ومن هو العدو، وما الذي يجوز قوله أو الاعتراض عليه. فالسردية لم تعد مجرّد خطاب مرافق للصراع، بل أصبحت جزءًا من بنيته العملياتية، لأنها تؤثر في الإدراك العام، وتعيد تعريف العدو والحليف، وتحدّد ما إذا كان الاعتراض مشروعًا أو خيانة. ومن هنا، فإن أخطر ما تنتجه الميليشيات في زمن الحرب ليس فقط فائض القوة، بل فائض التأويل أيضًا، أي قدرة تلك المجموعات؛ بأذرعها الإعلامية الرسمية وغير الرسمية، المباشرة وغير المباشرة؛ على فرض قراءة أحادية للواقع، وتحويلها إلى معيار أخلاقي وسياسي ملزم، بحيث يصبح كل خروج عنها موضع شبهة وتجريم.
ضمن هذا السياق، تتكثّف في لبنان سردية خطيرة مفادها أن كل من يعارض حزب الله في الحرب الراهنة هو، بالضرورة، منحاز إلى إسرائيل أو متواطئ معها. وهذه ليست قراءة سياسية بقدر ما هي تقنية دعائية مكتملة العناصر. فهي تقوم على محو الفوارق بين مستويات مختلفة من الموقف السياسي، بين معارضة العدوان الإسرائيلي، ومعارضة السلاح الخارج عن الدولة، ومعارضة ربط لبنان بأجندة إقليمية لا تعبّر بالضرورة عن مصلحته الوطنية. وبهذا المعنى، لا تعكس هذه السردية حقيقة الصراع، بل تصادر إمكان التفكير فيه، لأنها تستبدل النقاش حول الدولة والسيادة والقرار الاستراتيجي بمنطق ثنائي مغلق، متمثل بإما مع الحزب، وإما مع العدو.
غير أن هذا الاختزال ليس بريئًا ولا يمكن اعتباره خطأ في التحليل أو التقدير، بل هو من صلب البروباغندا الحربية التابعة لحزب الله. فالدعاية لا تكتفي بتوجيه الرأي العام، بل تعمل على إعادة هندسة المجال السياسي عبر تجريم المعارضة مسبقًا. وهي حين تعجز عن تفنيد الحجة، تلجأ إلى وصم صاحبها. لذلك، فإن اتهام كل معترض على أعمال حزب الله أو على إسناد إيران للبنان بأنه صهيوني أو عميل ليس توصيفًا، بل أداة إقصاء سياسي ونفسي يهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة، وردعها رمزيًا، وتحريض الجمهور ضدها. والأسوأ أن هذا الخطاب لا يقف عند حدود التخوين، بل يتسع أحيانًا ليبرّر التحقير المعنوي، أو التحريض على العنف، أو نزع الشرعية الأخلاقية عن كل من يدافع عن الدولة كمصدر وحيد للقرار والسلاح.
والحال أن المسألة في لبنان ليست بين "مع إسرائيل" أو "ضد إسرائيل" في الحقيقة، لأن هذا التأطير نفسه مضلّل. فلا وجود فعليًا لهذا الانقسام بالصورة التي تسوّقها أبواق الميليشيا، بل يوجد انقسام آخر أكثر دقة وعمقًا في المجتمع اللبناني وهو بين من يتمسك بالدولة باعتبارها المرجعية السيادية الوحيدة، وبين من يمنح الشرعية لبنية مسلّحة موازية تحتكر حق تحديد الحرب والسلم خارج المؤسسات. لذلك، فإن الدفاع عن حصر السلاح بيد الدولة، ودعم قرارات الحكومة، والمطالبة باستعادة السيادة الوطنية، لا يشكّل اصطفافًا مع إسرائيل، بل يشكّل، على العكس، موقفًا مبدئيًا ضد العدوان وضد الشروط التي تجعل العدوان ممكنًا ومتكررًا. فرفض توريط لبنان في حروب الآخرين ليس تخلّيًا عن الوطن، بل دفاع عن حقه في ألّا يكون ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية التي لا علاقة للبنان بها.
تستمد هذه السرديات فعاليتها من لحظات الخوف الجماعي، حيث يميل الأفراد إلى البحث عن أجوبة بسيطة في واقع معقّد. وهنا تحديدًا تنجح الدعاية في اختراع عدو داخلي، وتقديمه بوصفه أخطر من التهديد الخارجي نفسه. وبذلك، تعيد توجيه الغضب العام من مساءلة البنية المسلحة التي تصادر الدولة، إلى مهاجمة من يطالب باستعادتها. أما العبارة التي تتكرّر من قبيل "ليس الآن وقت السياسة" أو "هذه لحظة تضامن لا انقسام"، فهي في كثير من الأحيان ليست دعوة صادقة إلى التماسك، بل آلية انتقائية لتجميد خطاب المعارضين وحدهم، فيما يستمر الخطاب لحزب الله في ممارسة السياسة والتعبئة والتأطير بلا توقف. أي إن المطلوب ليس تعليق السياسة، بل احتكارها.
من هنا، فإن استهداف الشخصيات الرسمية أو العامة التي تعبّر عن منطق سيادي، أو التي تحاول إعادة الاعتبار لسلطة الدولة (مثل دولة الرئيس نواف سلام على سبيل المثال لا الحصر)، يجب ألا يُقرأ كخلاف سياسي عابر، بل كمؤشر إلى صراع أعمق على تعريف الشرعية نفسها في لبنان. هل الشرعية تصدر عن المؤسسات، أم عن ميزان قوى مفروض خارجها؟ وهل الوطنية تُقاس بمدى الانصياع لسردية الميليشيا، أم بمدى الالتزام بفكرة الدولة؟
في النهاية، إن أخطر ما تفعله السرديات الحربية في لبنان أنها تقتل المساحة الفاصلة بين النقد والخيانة، وبين السيادة والاصطفاف، وبين المواطنة والانقياد. لذلك، فإن مواجهتها وكشف خباثتها وتفكيكها ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. ففي بلد كلبنان، لا يكون الانحياز إلى الدولة انحيازًا إلى العدو، بل انحيازًا إلى الدولة نفسها، إلى القانون، وإلى الحق الجماعي في أن يكون الحرب والسلم قرارًا وطنيًا لا امتيازًا ميليشيويًا.