في الجنوب اللبناني، لا تُقاس السيادة بالشعارات، بل بالوقائع الميدانية. وما جرى في رميش وعين إبل ودبل ليس تفصيلاً عابرًا، بل لحظة كاشفة لفجوة عميقة بين ما تقوله الدولة عن نفسها وما تستطيع فعله فعليًا على أرضها.
وفق قرار مجلس الأمن 1701، يفترض أن تكون الدولة اللبنانية، عبر الجيش اللبناني، هي صاحبة السلطة الحصرية في إدارة الأمن جنوب وشمال الليطاني ، بدعم من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. لكن الواقع الذي يتكرّس منذ سنوات، ويطفو إلى السطح في كل محطة توتر، يقول العكس: انتشار بلا سيطرة، ومسؤولية بلا قرار.
إن أي انسحاب أو إعادة تموضع للجيش في قرى حدودية لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا الخلل البنيوي. فالدولة التي لا تحتكر استخدام القوة، ولا تملك القرار العسكري الكامل، تجد نفسها محاصرة بين خطر الاستهداف الخارجي وتعقيدات الداخل، فتتراجع حيث يفترض أن تثبت، وتُحجِم حيث يفترض أن تحسم.
هنا لا يعود النقاش تقنيًا أو عسكريًا فقط، بل يصبح مسألة سيادة بالمعنى القانوني الصارم. فالقانون الدولي لا يعترف بأنصاف السيادات، ولا يميّز بين دولة “تريد” أن تسيطر وأخرى “تستطيع”. المسؤولية تبقى قائمة، حتى حين تغيب القدرة. وهذا ما يضع لبنان في موقع بالغ الهشاشة: دولة تُسأل عمّا يجري على أرضها، دون أن تكون صاحبة القرار الكامل فيه.
في المقابل، يترسّخ واقع موازٍ، حيث يمتلك حزب الله القدرة الفعلية على فرض معادلات ميدانية، سواء في قرار الحرب والسلم أو في إدارة مناطق التماس. هذا الواقع، مهما كانت تبريراته السياسية أو الإيديولوجية، يخلق ازدواجية قاتلة في مفهوم السلطة، ويحوّل الدولة إلى كيان منقوص، لا يستطيع حماية حدوده ولا طمأنة مواطنيه.
لكن الانحدار الحقيقي لا يتوقف عند حدود الخلل، بل يتجلى في الخطاب المنحط الذي يرافقه.
فبعض من نصّبوا أنفسهم أوصياء على “الوطنية” لا يترددون في الرقص على قلق الناس، وتحويل خوف القرى إلى مادة للتشفي. هؤلاء لا يكتفون بتبرير الحرب، بل يحتاجونها نفسيًا كأداة لإثبات ذاتهم، فيستسهلون دم الآخرين ليحافظوا على نقاء خطابهم. بالنسبة لهم، كل من رفض الحرب خائن، وكل من طالب بالحياة جبان، وكل من خاف على أهله يستحق السخرية.
هؤلاء لا علاقة لهم لا بالمقاومة ولا بالسيادة، بل بثقافة مرضية تقوم على احتقار الإنسان وتمجيد الكارثة. يختبئون خلف شعارات كبيرة لأنهم عاجزون عن تحمّل كلفة ما يدعون إليه. لا يسكنون القرى، لا ينامون تحت التهديد، ولا يدفعون ثمن “بطولاتهم” المعلّبة. كل ما يفعلونه هو استهلاك الألم، ثم إعادة تدويره كخطاب أخلاقي زائف.
الأكثر انحطاطًا هو هذا النوع من الشماتة: أن ترى قرية مهددة فتبتسم لأن ذلك “يثبت وجهة نظرك”. أن يتحول الخطر إلى مناسبة لتصفية الحسابات. هنا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام سقوط أخلاقي كامل. لأن من يشمت بالخوف، لن يفهم يومًا معنى الوطن.
إلى أهل رميش وعين إبل ودبل: أنتم لستم مجرد “نقاط على الخريطة” ولا “تفاصيل في تقارير أمنية”. أنتم خط الدفاع الأول عن معنى البقاء في هذه الأرض، وأنتم من يدفع الثمن المباشر لكل خلل في المعادلات الكبرى. صمودكم ليس تفصيلاً، وخوفكم ليس ضعفًا، وحقكم في الأمان ليس موضوعًا للتفاوض.
تحية لكم، لبيوتكم التي بقيت مضاءة رغم كل شيء، ولإصراركم على الحياة في مواجهة منطق الحرب الدائمة. تحية لكرامتكم التي ترفض أن تُختزلوا إلى ساحة أو ورقة ضغط أو خط تماس.
إن استعادة دور الدولة، وعودة الجيش اللبناني كصاحب القرار العسكري الوحيد، ليست مطلبًا سياسيًا لفئة دون أخرى، بل شرطًا لوجود لبنان نفسه. فالدولة التي لا تملك قرارها الأمني، لا تستطيع أن تضمن لا السلام ولا الحرب، بل تبقى رهينة لكليهما.
السؤال لم يعد: لماذا ينسحب الجيش من هنا أو هناك؟
السؤال الحقيقي هو: متى تستعيد الدولة قرارها، وتصبح السيادة فعلًا لا قولًا؟
إلى أن يحصل ذلك، سيبقى الجنوب يدفع الثمن… لكن سيبقى أيضًا فيه من يتمسّك بلبنان الدولة لا بلبنان المحاور، ومن يختار الوطن لا الولاءات الخارجية، ومن يثبت أن الانتماء للبنان هو البوصلة لاستعادة السيادة.