لسنوات طويلة، قدّم "الغرب" نفسه ككتلة متماسكة تقود الأجندة العالمية لحقوق النساء. ففي المحافل الدولية، وفي الوثائق الختامية مثل وثائق لجنة وضع المرأة، كان المشهد شبه ثابت: تحالف عابر للأطلسي يدفع باتجاه توسيع مجال الحقوق، في مواجهة دول أكثر محافظة تسعى إلى الحدّ منه.
إلا أنّ هذا المشهد لم يعد قائماً.
ما كشفته مفاوضات الدورة السبعين للجنة وضع المرأة في آذار ٢٠٢٦ (CSW70) لم يكن خلافاً تقنياً حول الصياغات، بل تصدّعاً بنيوياً داخل الغرب نفسه. فعندما تدافع معظم الدول الاوروبية عن توسيع مجال الحقوق الجنسية والانجابية، فيما تنكفئ الولايات المتحدة نحو مقاربة قانونية أكثر تضييقاً إلى حدّ التصويت ضد النص فإنّ الأمر لا يعود مجرّد تباين تكتيكي، بل انقساماً استراتيجياً كاملاً .هذا التحوّل لم يبدأ في نيويورك، بل في واشنطن.
على مدى عقود، استند الموقف الأميركي العالمي إلى قاعدة دستورية واضحة. ففي قضية "رو ضد وايد (Roe v. Wade)"، الصادرة في 22 كانون الثاني 1973، اعتبرت المحكمة العليا الأميركية أنّ الإجهاض يندرج ضمن الحق الدستوري في الخصوصية، ما جعل حرية الاختيار الإنجابي جزءاً من الحرية الفردية والاستقلال الجسدي. ولم يكن هذا مجرد حكم داخلي، بل تحوّل إلى ركيزة أساسية في الخطاب الأميركي حول الحقوق على المستوى الدولي: فالإجهاض لم يكن يُطرح كخيار سياسي، بل كمبدأ حقوقي. غير أنّ هذه الركيزة لم تعد موجودة اليوم.
ففي قضية "دوبس ضد منظمة جاكسون لصحة المرأة (Dobbs v. Jackson Women’s Health Organization)"، الصادرة في 24 حزيران 2022، ألغت المحكمة العليا هذا الإطار بالكامل. لم يعد الإجهاض يُعامل كحق دستوري، بل كمسألة تُترك للسلطات التشريعية على مستوى الولايات. وبقرار واحد، تحوّل الحق إلى متغيّر سياسي يخضع للجغرافيا والانتخابات وتبدّل موازين القوى. كما أنّ تداعيات هذا التحوّل تتجاوز الولايات المتحدة بكثير.
فعندما يفقد الإجهاض حمايته الدستورية، تضعف لغة الحقوق نفسها. فما كان يُطرح سابقاً باعتباره جزءاً من الاستقلال الجسدي، أي المبدأ القائل إنّ للفرد سلطة على جسده وخياراته الإنجابية، يُعاد تعريفه اليوم بوصفه مسألة سياسة عامة قابلة للتفاوض والتقييد. وهذا التحوّل في المقاربة ينتقل بدوره إلى الساحات الدولية.
في فضاءات متعددة الأطراف، مثل لجنة وضع المرأة، باتت الدول التي لطالما عارضت توسيع الحقوق الجنسية والإنجابية تمتلك حجة قوية: إذا كانت الولايات المتحدة نفسها لم تعد تعتبر الإجهاض حقاً دستورياً، فلماذا يجب التعامل معه كمعيار عالمي؟
فباتت الدول العربية وغيرها من الدول المحافظة غير مضطرة إلى مواجهة خطاب الحقوق بشكل مباشر. وأصبح بإمكانها التشكيك في الأساس القانوني لهذه الحقوق، أو تصويرها كأنها مرتبطة بسياقات ثقافية خاصة، أو السعي إلى حصرها ضمن مقاربة صحية ضيقة.
وهكذا ينتقل النقاش من مسألة ما إذا كانت الحقوق قائمة، إلى مسألة ما إذا كان ينبغي أن تكون موجودة أصلًا. وهنا تحديدًا يبدأ مفهوم الاستقلال الجسدي بالتآكل.
لأنّ الاستقلال الجسدي يفترض وجود قرارات تتعلق بالجسد والصحة والإنجاب محصّنة من التدخل السياسي. وعندما تُعاد هذه القرارات إلى السلطات التشريعية، تصبح خاضعة للمساومة والتفاوض، وفي نهاية المطاف للسيطرة.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر أثر قضية «دوبس» على إعادة تشكيل القانون الأميركي، بل يمتد إلى إعادة صياغة البنية العالمية لخطاب الحقوق. فهي ترسل إشارة واضحة مفادها أنّ حتى أكثر الحقوق رسوخاً يمكن التراجع عنها، وأنّ الحماية الدستورية ليست نهائية ولا دائمة.
وما تتضمنه فعلياً الوثيقة الختامية لـ CSW70 يجعل هذه الصورة أكثر وضوحاً. فالاستنتاجات والخلاصات المتفق عليها بشأن "إتاحة الوصول إلى العدالة للنساء والفتيات" تركّز على إلغاء القوانين التمييزية، وتعزيز الأنظمة القضائية، وتوسيع المساعدة القانونية، والتصدّي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك في الفضاء الرقمي ومناطق النزاع. كما تُبقي الاشارة إلى الحقوق الجنسية والإنجابية، وتعترف بالعوائق البنيوية كالفقر والأعراف الاجتماعية والانحياز المؤسساتي التي تحدّ من الوصول إلى العدالة. وعلى الورق، يبدو النص إطاراً شاملاً. لكن عملياً، هو تسوية تفاوضية: قويّة بما يكفي للاستمرار والمطالبة بالحقوق، ولكنها غير كافية لإحداث تحوّل حقيقي.
وهذا التصدّع لا يبقى محصوراً داخل الغرب، بل يعيد تشكيل المشهد التفاوضي بأكمله.
فالدول التي كانت سابقاً في موقع الدفاع ومنها العديد من الدول العربية لم تعد مضطرة إلى معارضة توسيع الحقوق بشكل علني. يكفيها الامتناع أو التأجيل أو الصمت، تاركةً الانقسام الغربي يقوم بالمهمة عنها. لماذا المواجهة، طالما أنّ التحالف الذي كان يقود الأجندة الحقوقية بات منقسماً على نفسه؟
في هذا المناخ، تتحوّل حقوق المرأة من مشروع توسّع إلى مشروع احتواء. لم يعد السؤال المركزي: كيف نطوّر الحقوق؟ بل: كيف نحافظ على ما تبقّى منها؟ وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لأنّ انهيار الإجماع الغربي لا يضعف الدعم فحسب، بل يقوّض فكرة وجود معيار عالمي مشترك. فعندما يعجز الذين ادّعوا يوماً احتكار تعريف المعايير عن الاتفاق عليها، تصبح المعايير نفسها قابلة للتفاوض. وفي عالم تصبح فيه الحقوق قابلة للتفاوض، تصبح أيضاً قابلة للتراجع.
دول مثل لبنان تدرك هذه الدينامية جيداً. فهي تتكيّف معها: تستخدم اللغة الأوروبية عندما يخدمها ذلك، وتستند إلى التحفظات الأميركية عندما يناسبها الأمر. تصوّت بـ«نعم» لحقوق المرأة في المحافل الدولية، ثم تؤجّل التنفيذ إلى ما لا نهاية داخلياً. لكن حتى هذا الغطاء الخارجي بدأ يضعف اليوم.
ما كشفته الدورة السبعون للجنة وضع المرأة لم يكن مجرد انقسام في التصويت، بل حقيقة أعمق: لم يعد هناك مرجع ثابت يمسك بخطّ الدفاع عن حقوق المرأة، ومن دون هذا المرجع يصبح التقدّم في هذا المجال غير مضمون.