إنّ وقف إطلاق النار المؤقّت الذي تحقّق بين لبنان وإسرائيل يعيد التأكيد على حقيقة سياسية ثابتة في التجربة اللبنانية، وهي أن حماية لبنان تمرّ عبر الدولة، وعبر الدبلوماسية التي تقودها مؤسساتها الشرعية، لا عبر ربط الساحة اللبنانية بمسارات إقليمية لا تعبّر عن أولوياتها الوطنية.
لقد أظهرت هذه المحطة، كما محطات سابقة في تاريخ لبنان، أنّ التفاوض والاتصال السياسي والارتكاز إلى الشرعية الدولية تبقى الأدوات الأكثر قدرة على وقف التصعيد، وتحييد المدن والمرافق الحيوية، وفتح المجال أمام تثبيت الاستقرار. وهذا ما ظهر أيضًا في الجهود الدبلوماسية اللبنانية التي أسهمت في تحييد بيروت، وفي حماية المعابر والمواقع المدنية المهددة، ضمن مقاربة تعيد الاعتبار لدور الدولة في إدارة الأمن الوطني وصون المجال العام.
وتحمل هذه الهدنة دلالة سيادية أساسية، إذ أعادت تثبيت خصوصية المسار اللبناني، وأكدت أنّ لبنان ليس ساحةً مفتوحة لتصفية الصراعات الخارجية ولا ورقة تفاوض على طاولة الآخرين. إنّ التعامل مع الوضع اللبناني ضمن إطار مستقل يشكّل فرصة سياسية يجب البناء عليها، بما يعزّز مرجعية الدولة اللبنانية، ويوحّد القرار الوطني، ويكرّس حصرية المؤسسات الدستورية في تقرير الحرب والسلم، وإدارة التفاوض، وصوغ التفاهمات المرتبطة بأمن البلاد ومستقبلها.
إنّ أي مقاربة جدية لمستقبل لبنان تبدأ من هنا..من تثبيت مرجعية الدولة، ومن حصر القرار السيادي بمؤسساتها، ومن اعتماد الدبلوماسية أداةً لحماية السيادة، لا بديلاً عنها.