Publications

دعاوى وشكاوى أنطون صحناوي ضدّ صحافيين ومنصّات إعلامية بعد الانهيار المالي في لبنان

06/10/2026 | 15 minutes

دعاوى وشكاوى أنطون صحناوي ضدّ صحافيين ومنصّات إعلامية بعد الانهيار المالي في لبنان

يشكّل الحق في اللجوء إلى القضاء وضمان حماية السمعة والحياة الخاصة جزءاً أساسياً من دولة القانون. وفي المقابل، تشكّل حرية الصحافة وحقّ الجمهور في تلقّي المعلومات، ولا سيّما المتعلّقة بالقضايا ذات المصلحة العامة، ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي. وتنشأ الإشكالية عندما تتحول العلاقة بين هذين الحقّين من موازنة مشروعة إلى استخدام مكثّف أو غير متناسب للأدوات القضائية في مواجهة العمل الصحافي، بما قد يؤدي، بصرف النظر عن نتيجة الدعاوى، إلى استنزاف الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وردعهم عن الاستمرار في التحقيق والنشر.
فمنذ عام 2019، تراكمت وقائع موثّقة استُخدمت فيها طلبات منع التوزيع، والشكاوى الجزائية، والاستدعاءات أمام الأجهزة الأمنية، والإنذارات في مواجهة صحافيين ووسائل إعلام تناولوا مؤشرات الانهيار المالي، وأداء مصرف لبنان والمصارف، ومسؤولية أصحاب النفوذ المصرفي. وتضع هذه الورقة الشكاوى التي حرّكها المصرفي ورئيس مجلس إدارة بنك سوسيتيه جنرال أنطون صحناوي بوجه الصحافيين ضمن هذا السياق الأوسع، ثم تدرسها بصورة مركّزة بسبب كثافة الإجراءات وتنوّعها وامتدادها إلى مؤسسات وأفراد شاركوا في النقاش أو تضامنوا مع زملائهم الذين تتمّ ملاحقتهم بسبب تغطيتهم قضايا متعلّقة بالانهيار المالي والمصرفي .
وتكشف دراسة سلسلة من الشكاوى والدعاوى والإجراءات التي حرّكها أنطون صحناوي ضدّ عدد من الصحافيين والمسؤولين في منصّات إعلامية عن مجموعة متراكمة من الخصائص التي تستوجب تحليلاً يتجاوز كل شكوى منفردة. فالملاحقات تتعلّق بصورة أساسية بتغطيات تناولت القطاع المصرفي والأزمة المالية وأموال المودعين والهندسات والسياسات المصرفية ودور شخصيات ومؤسسات فاعلة في هذا القطاع، وهي مواضيع تقع في صميم النقاش العام.
كما تظهر في الملفات عدة خصائص متكررة، أبرزها: تعدّد الملاحقات ضدّ المؤسسة الإعلامية نفسها؛ توسيع دائرة المدعى عليهم من كاتب المادة إلى مسؤولين ومؤسسين في المؤسسة؛ الاستناد في بعض الشكاوى إلى طيف واسع من النصوص الجزائية؛ المطالبة بتعويضات مالية مرتفعة؛ وطلبات تتعلّق بإزالة محتوى منشور أو بالتعهد بعدم «التعرض» للمدعي مستقبلاً. ففي إحدى الشكاوى طُلب تعويض لا يقل عن عشرة مليارات ليرة لبنانية إلى جانب تعهد بعدم التعرض للمدعي أو لمصرفه، بينما طُلب في شكوى أخرى تعويض لا يقل عن مليون دولار أميركي، وفي أخرى تعويض لا يقل عن خمسين مليار ليرة مع إزالة منشورات وتعهدات تتعلّق بالمستقبل.
لا تسمح هذه العناصر وحدها بالجزم بأن كل شكوى تشكّل دعوى استراتيجية ضدّ المشاركة العامة (Strategic Litigation against Public Participation – SLAPP)، فذلك يتطلّب تقييماً للسياق القضائي والأساس القانوني والوقائع. لكنها تكشف مؤشرات جدّية تستدعي النظر إلى هذه القضايا ضمن إطار أوسع يشمل إساءة استعمال الإجراءات القضائية، الأثر الردعي على حرية التعبير، استخدام عدد كبير من المواد الجزائية، عدم التناسب في التعويضات والطلبات، توسيع المسؤولية داخل المؤسسة الإعلامية، وحقّ الجمهور في المعرفة.
وتوثّق الورقة ثلاثة عشر مساراً قضائياً أو إجرائياً بين آذار 2023 وآب 2026. ولا تتساوى هذه المسارات في طبيعتها القانونية؛ فهي تشمل شكاوى ودعاوى وإخباراً وطلبات مستعجلة وضغطاً سابقاً للتقاضي. لذلك لا يُستخدم العدد بوصفه دليلاً مستقلاً على التعسف، بل بوصفه مدخلاً لقياس التكرار والتراكم واتساع دائرة الاستهداف.
والنتيجة الأساسية هي أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال معاقبة صحافي، بل في قدرة الإجراءات نفسها على إعادة رسم حدود النقاش العام. فحين يصبح تناول أداء مصرفي أو علاقات نفوذ أو قضية عنف، أو حتى مناقشة دعوى والتضامن مع أصحابها، قراراً يستدعي حساب كلفة المحامي والوقت والتمويل والسلامة والسمعة، تكون حرية الإعلام قد تضرّرت قبل أن يقول القضاء كلمته في أصل النزاع.
وتخلص الورقة إلى أن حماية حرية الصحافة في لبنان لا تقتصر على تعديل قانون الإعلام الجديد، بل تستلزم التمييز المبكر بين الدعوى الجدّية والدعوى التي تتحوّل إجراءاتها وكلفتها إلى أداة ردع. وهذا يتطلّب إصلاحاً متكاملاً يشمل المشرّع والقضاء والمؤسسات الإعلامية والصحافيين.

Download Arabic PDF